غرفة خمسة (6)

 أمشي في خطوات سريعة كعادتي حين أذهب إلى موعداُ مهم .. لا أعلم سبب ذهابي مرة أخرى أبسبب الموعد المسبق أم ما زال هناك بقايا خوف يسكنني من قصة فشل أخرى مع امرأة جديدة ؟ اقترب من الغرفة خمسة واطرق الباب وادخل بهدوء تام ..
- تأخرت كثيرا .. أين كنت ! 
- دكتورة أهلا وسهلا .. لم اتأخر لقد جأت في الموعد ! لقد أخبرتيني سابقاً أن آتي بالساعة الرابعة ؟ أهز رأسي دليلاً على ثقتي بأني لم اخطأ التوقيت .. تنظر إلي بامتعاض وتلوي شفتيها وكأن هناك خيطا من الصداقة بيننا وليست علاقة طبيب ومريض !
- حقاً .. لا اذكر كنت أنتظرك منذ الثالثة ولكن هذا لا يهم .. تفضل على الكرسي ..  هل تريد أن تشرب شيئا ؟ هزز ت رأسي بابتسامة وقلت لا شكراً ..
- هيا قل لي ماذا حدث بالاسبوع الماضي وكيف سارت الأمور معك ؟ متأكدة أنا بأن هناك كثيراً من الاحداث التي فاتتني .. هل هذا صحيح؟

بدأت بالحديث وأخبرتها بكل ما حصل .. ترددي وذهابي واستعمالي للأدوية تلك .. ثم اتخاذي قراراً جديداً بفسخ خطبتي من تلك الفتاة .. وأن هذا الشعور يريحني ويجعلني في حال أفضل كثيرا ..
- دكتورة .. ليس لهذا دخلاً بحالتي النفسية والفوبيا التي أعانيها .. لقد اتخذت هذا القرار وأنا في كامل قواي العقلية ..ابتسم لها ويساورني الشك بإن كان هذا هو الوقت المناسب للإبتسام أم للحزن .. تنظر إلى بصمت ثم تنظر إلى الساعة وكأنها تنتظر موعداً آخر .. ثم تذهب للجلوس على الكرسي مبتعدة عني
- كل ذلك لا يهم .. يا عبدالرحمن ..  تخلع البالطو الأبيض وتعلقه على الشماعة وتجلس بالقرب مني ثم تقول
- ماذا فعلت ؟ إنك تريد أن تتخلص من خوفك بإنفصالكم وتلك اسهل طريقة للهروب .. هل تظن الآن انك تخلصت من المشكلة ؟ لا بالعكس ستتضخم رهبتك من النساء ولن تجدي الحبوب التي اخذتها بعد الآن .. قل لي كيف نستطيع أن نستمر في علاج مرض هرب من نفسك وسيعود إليه لاحقاً .. لقد سلبت منك حريتك .. حريتك في تحديد الخيارات التي تريدها أنت وليس مرضك ! يجب أن تضع الرهبة التي تنتابك نصب عينيك الهروب ليس حلاً أنه كالحبوب التي اعطيتها لك يجب أن تتخلص منها في يوما ما.. الا تريد ان تخطب وتتزوج عاجلاً أم آجلا

- بالطبع أريد .. لم يكن اختياري للإنفصال هروباً في الواقع أنا متشتت الذهن الآن وأظن بأني مازلت بحاجة إلى مساعدتك هل اخطب أخرى وأعود إليك مرة ثانية ابتسم للمرة لها للمرة العاشرة وأصمت.. يا ترى لماذا احس بالغباء في حضرة هذه الفتاة .. هززت رأسي لها وهي ترمقني ثم قالت لي ..
- قل لي ماهو اللون الذي تحبه ؟
- أنا ؟ سؤال مفاجأ لم أتوقعه ولكني أظن بأني أحب جميع الألوان .. الابيض والأسود .. واحبهم إلى قلبي اللون الأحمر .. يلفت انتباهي الاكسسوار الأحمر في معصمها .. أبلع ريقي .. وأسمعها تقول حان وقت الرحيل الآن سأتصل بك قريباً مع السلامة .. أشكرها ثم أخرج وانا لا اعلم ماهو نوع العلاج الذي حصلت عليه في هذه الجلسة !

فاصل
لو حكينا يا حبيبي.. نبتدي منين الحكاية
احنا قصة حبنا.. ليها اكتر من بداية
عشنا فيها يا ما عشنا..شفنا فيها.. يا ما شفنا
لكن مشينا وكملنا.. مشوار الحب ووصلنا
والدنيا ما قدرت تعاندنا.. وتفرق بينا وتبعدنا
تعالى نقول لغيرنا.. أنا وانت ازاي قدرنا
نبعد عن أي عذاب.. ونعيش على طول أحباب
نحضن فرحتنا سوا.. ونخلي الحب شباب
وقابلنا انا وانت في مشوارنا.. حاجات كتير جرحت غيرنا


غرفة خمسة (5)


أنا في طريقى إليها الآن .. مسير إليها تملأني رغبات أمي في أن أكمل نصف ديني .. وأفكار كثيرة تتربص في عقلي المشغول .. لماذا أخترت هذا الشعور يا ترى ! أحتار في معرفة إن كنت قد اخترت الذهاب أم ساقني أمر ما إلى أن أذهب .. تبدأ وخزات القلق تملأني وأحس بالضيق هذه المرة حتى قبل أن التقيها ..  تتصل علي وتسألني إن كنت سآتي إليها الآن ؟ أجيبها بنعم .. وتسمعني كلمات كثيرة عن أني لا اجلس معها طويلاً .. وأنها حزينة لذلك فكل صديقاتها يجلسون مع أزواجهم الساعات الطويلة .. وهي لسوء حظها فإني لا أفعل كما يفعلون .. 

- أنتي لا تفهمين .. 
- أنا لا أفهم .. ماذا تقصد بذلك ؟ إنك لا تحبني إذا لماذا لا تجلس معي كما يجلس الآخرون اليست لديك رغبة وشوق لرؤيتي ؟ على العموم هذه المرة يجب أن تبقى طويلاً لقد طبخت لك عشاءً متميزاً ..

أغلق الهاتف وأخذ الحبة والتي من المفترض أن تجعلني هادئاً ومسترخياً وأتناول رشفة من علبة الماء التي اشتريتها لهذا الغرض .. أقترب من بيت خطيبتي وأتوقف .. أستغرب من وجود نملة على مقود سيارتي وفي لحظات أقوم بسحقها بقبضة يدي .. أندهش مما فعلت وأفكر بأنها قد تكون من نتائج الاسترخاء العميق .. قرأت سابقاً بأن النمل ذكي جداً ومنظم ويعمل طوال حياته في بناء مجتمعه لعلها تكون نملة ذكية قادتها الأقدار إلى أن تفعص بواسطتي ! 

يا ترى هل نحن مسيرون أم مخيرون ؟؟ أظننا بأننا نحن الإثنان .. قالت لي الدكتورة في تلك الجلسة بأننا نستطيع أن نكتب قصتنا !! إذا لماذا أجعل المجتمع هو من يختار لي من يريد .. حتى لو كانت أمي هي من اختارت فأنا أملك بأن أغير ذلك .. تسائلت خطيبتي بأنه قد لا تكون لدي رغبة وشوق لرؤيتها ..  وعلى الرغم من جمالها فأنا اوافقها .. ليس هو الخوف والقلق والفوبيا التي تتلبسني فقط والتي قد زالت الآن بل أيضا فأنا لا أجد ذلك الرابط والمغناطيس الداخلي لللإرتباط بها ..  

أشغل السيارة وأجد بأني استغرقت ربع ساعة واقفاً أفكر في استرخاء .. أغلق رنة هاتف ولا ارد على اتصالها وأقرر العودة من حيث أتيت .. 


غرفة خمسة (4)



- اسمي عبدالرحمن  ابتسمت لها وذهبت إلى الكرسي الأبيض .. اقتربت مني وجلست على الكرسي المجاور وكأنها تهمس .. ماذا بك يا عبدالرحمن مما تشكو؟ لماذا قررت المجيئ إلى هنا ؟ هل أتعبتك الدنيا القلقة بالخارج ؟ أنا انصت إليك .. 

- دكتورة .. منذ فترة قمت بخطبة أحد الفتيات .. أختارتها أمي بعد أن قررت أن اتزوج .. الموضوع كان عادياً جداً وافقت عليها ثم حدثت الخطبة ولكن ضيقاً اعتراني في يوم الخطبة لم استطع أن اتخلص منه إلا بعد خروجي من عندها .. واستمر هذا الضيق الخانق عند كل زيارة .. مؤخراً اصبحت زياراتي قصيرة .. يصيبني فيها العرق والخوف والقلق والضيق ولا أعلم سبباً لكل ذلك .. الأسباب مجهولة والضيق غير معلوم .. 

- نعم أنا اسمعك جيداً إستمر .. تستطيع أن تتحدث وأن تقول ما تشاء إعتبرني صديقتك .. هل أنت خائف مني الآن ؟ هل يراودك ذلك الإحساس الخانق ؟ هل تتلبسك الفوبيا من الفتيات ؟ 

- إطلاقاً .. إن تلك الحالة لا تصيبني إلا معها ؟ 
- ربما لم تكن جميلة بما يكفي لأن تعجبك ولهذا ينتابك الضيق وتريد الهروب ؟

- على العكس إنها جميلة .. وقد يحسدني عليها شباب العائلة .. إن جمالها من ذلك النوع المرسوم والمثالي .. تقول أمي بأن حظي من السماء .. وأن خطيبتي أجمل من جميع من رأتهم سابقاً .. 

- أجملهم ولكنها قد لا تكون قدرك .. أظن بان كل منا يستطيع ان يكتب قصته بنفسه .. وقد يكون عقلك الباطني يرفض هذه الجميلة ويريد أن يرسم مساراً آخر للقصة .. لماذا لا تجرب تعديل النص ؟

- ها ؟ لم أفكر في هذا سابقاً ..

 تخرج الطبيبة وأظل أفكر فيما قالته لتعود وهي تحمل كوبين من القهوة .. تناولني واحداً وأشكرها عليه وتقول لي ..

- أنت مسكون بالخوف وما بك عبارة عن نوبة ذعر تصيبك عندما تذهب إلى خطيبتك .. شيئاً ما في أعماقك يمنعك من لقاءها .. قد تكون احداث مرت بها طفولتك أو مراهقتك سابقاً .. وعموماً سأعطيك دواء الزانكس لتستعمله عند لقاءك بخطيبتك حتى تأتيني الأسبوع القادم لنكمل الحديث ..



غرفة خمسة (3)

دخلت من بوابة المستشفى واتجهت فوراً إلى الممر المؤدي إلى الغرف .. أخبرني صديقي بعدم حاجتي إلى تسجيل بياناتي وأنتظار الدخول فالدكتور برهان سيكون في انتظاري الساعة الرابعة .. كان الممر يحتوى على غرفاً عديدة .. خيل إلي بأن الأبواب مصنوعة من المعدن .. أحسست بقساوتنا على أولئك المرضى الذين قد يختارون الهرب يوماَ فتمنعهم تلك الابواب الحديدية .. إنها كالزنازين ولكنها تضم ضحايا لا مجرمين ..

اتفرس في وجوه المارين فلا افرق بين المرضى و الزوار وبين موظفي المستشفى .. الجميع يحمل قلقاً واحداً متشابهاً .. تخيلت بأن الجميع يبحث عن نفسه .. والمرض قد يكون سفراً في رحلتنا لإكتشاف أنفسنا ..  خمس عشر .. احدى عشر .. تسعه .. إذا تلك هي الغرفة خمسة .. 

أدق الباب وأدخل وأجد فتاة جالسة على المكتب منكبة على مطالعة كتاب كأنه يحوى شرحاً مفصلا لتفاصيل ورسومات لخلايا برموز واشارات مختلفة .. القي السلام عليها فترمقني بنظرة ثم تقول لي تفضل ..

- هل الدكتور برهان موجود ؟ اتسائل مبتسماً لها فترد علي بعد فترة صمت وتقول ..
- الدكتور برهان غير موجود .. لقد ذهب بشكل عاجل إلى احدى الحالات كيف استطيع خدمتك ؟

شرحت لها بأن عندي موعداً معه وأنني استطيع الذهاب والعودة في وقت آخر .. فقالت لي بأنها ستعالجني وأنها متخصصة نفسية ولافرق بينها وبين الدكتور .. لقد راقت لي فكرة أن أكون تحت يد هذه الدكتورة الجميلة أظن بأن هذا العلاج سيكون ممتعاً جداً .. يذكرني بالشراب الحلو الذي كانت امي تعطيني اياه عندما كنت مريضاً وأصبحت بعد ذلك أدعي المرض لأتجرع منه كلما رغبت بذلك ..

يا لوقفتها الجميلة نادراً ما أرى فتاة بذلك الطول الفارع .. ملامحها جادة بيضاء بشعر كستنائي قصير .. ونظارات غير مناسبة لجمالها .. وبالطو كبير لايناسب حجمها الرشيق .. هززت رأسي موافقاً لها وجلست على الكرسي المجاور وقلت لها طيب .. أصبحت تلميذا نجيباً يجاهد حتى يرضي مدرسه ليحصل منه على الدرجات النهائية ..

- أذهب إلى كرسي الاسترخاء فهناك سنبدأ علاجنا يا .. ما اسمك ؟! 


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Grants For Single Moms | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة